سيد محمد طنطاوي
130
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويبدو لنا من مجموع الروايات ، أن لقاء النبي صلى اللَّه عليه وسلم بالجن قد تعدد ، وأنهم تارة استمعوا إليه صلى اللَّه عليه وسلم دون أن يراهم ، وتارة التقى بهم وقرأ عليهم القرآن « 1 » . قال الآلوسي : وقد دلت الأحاديث على أن وفادة الجن كانت ست مرات ، ويجمع بذلك بين اختلاف الروايات في عددهم وفي غير ذلك . وذكر ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال : صرفت الجن إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم مرتين . . « 2 » . قال القرطبي : واختلف أهل العلم في أصل الجن . فعن الحسن البصري : أن الجن ولد إبليس ، والإنس ولد آدم ، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون ، وهم شركاء في الثواب والعقاب ، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا فهو ولى اللَّه ، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان . . وعن ابن عباس : أن الجن هم ولد الجان وليسوا بشياطين ومنهم المؤمن والكافر ، والشياطين هم ولد إبليس ، لا يموتون إلا مع إبليس . . « 3 » . وقال بعض العلماء : عالم الجن من العوالم الكونية ، كعالم الملائكة وقد أخبر اللَّه - تعالى - أنه خلقه من مارج من نار ، أي : أن عنصر النار فيه هو الغالب ، وأنه يرى الأناسى وهم لا يرونه ، أي : بصورته الجبلية ، وإن كان يرى حين يتشكل بأشكال أخرى ، كما رئي جبريل حين تشكل بشكل آدمي . وأخبر - سبحانه - بأن الجن قادرون على الأعمال الشاقة . وأن اللَّه سخر الشياطين لسليمان يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل . . . وأخبر بأن من الجن مؤمنين ، وأن منهم شياطين متمردين ، ومن هؤلاء إبليس اللعين . ولم يختلف أهل الملل في وجودهم ، بل اعترفوا به كالمسلمين ، وإن اختلفوا في حقيقتهم ، ولا تلازم بين الوجود والعلم بالحقائق ، ولا بينه وبين الرؤية بالحواس ، فكثير من الأشياء الموجودة لا تزال حقائقها مجهولة ، وأسرارها محجوبة ، وكثير منها لا يرى بالحواس . ألا ترى الروح - وهي مما لا شك في وجودها في الإنسان والحيوان - لم يدرك كنهها أحد ولم يرها أحد ، وغاية ما علم من أمرها بعض صفاتها وآثارها . . وقد بعث النبي صلى اللَّه عليه وسلم إلى الجن ، كما بعث إلى الإنس ، فدعاهم إلى التوحيد ، وأنذرهم
--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 16 ص 210 وج 19 ص 2 ، تفسير ابن كثير ج 7 ص 272 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 26 ص 30 وج 29 ص 83 . ( 3 ) تفسير القرطبي ج 19 ص 5 .